نجم الدين الكبرى
133
فوائح الجمال وفواتح الجلال
والقلب لطيف ، يقبل عكس الأشياء والمعاني الدائرة حواليه ، فيتصوّر لون الشئ في اللطيفة المقابل لها ، كما تنعكس الصور في المرآة والمياه الصافية . . وكذلك سمّى قلبا ، لأنه نور في قلب قليب « 1 » الوجود ، كنور يوسف - عليه السلام - في الجبّ « 2 » . واعلم أن قليب الوجود يبدو من قدّامك - بحذاء وجهك - عميقا ، لا تشاهد أعمق منه في عالم الشهادة « 3 » . وهذا البئر في الأول ، يكون من فوق رأسك ؛ ثمّ يبدو من قدّامك ، ثمّ من تحتك - وذلك في نهايات الطريق . . وترى - في قعر البئر - الوجود نورا أخضر ، وذلك : نهاية الوجود والحدوث وبداية القدم « 4 » . وهذا البئر ، إذا تجلّى لك في اليقظة ، أنست إليه وتعجبت منه ؛ وإذا تجلّى لك في الغيبة ، وقعت عليك هيبة منه وشدة وزلزال ، حتى تكاد تفارق الروح . . ولا تلتجئ حينئذ - من طريق الحالة الأولى - إلا إلى الذّكر .
--> ( 1 ) القليب : البئر . . وسمى بذلك لأنه حين حفر ، قلب ترابه ( لسان العرب 3 / 146 ) . ( 2 ) الإشارة إلى القصة القرآنية الخاصة بإلقاء أخوة يوسف له في البئر ( سورة يوسف ، آية 10 وما بعدها ) . ( 3 ) عالم الشهادة هو العالم المحسوس المقابل لعالم الغيب غير المحسوس . ( 4 ) القدم والحدوث لفظتان لهما مترادفات كثيرة مثل : عالم الأمر وعالم الخلق ، الوجود الحقيقي والوجود المعار ، وغير ذلك . وكلها تشير - على الإجمال - إلى الفرق بين العالم الإلهى الأزلي الذي ينعدم فيه الزمان ، والعالم الزماني الذي تكون فيه المخلوقات . . وهناك مشكلة عويصة في الفكر الإسلامي ، تعرف بمشكلة العالم بين القدم والحدوث ( راجع ؛ جلال شرف : اللّه والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي ، الباب الثاني ) .